بانتظار المصور .. ق.ق بقلم أ/ علي البدر
"بانتظار المصور" قصة قصيرة
علي البدر
لعشرات الكيلومترات، بدت معدات الجيش متناثرة على امتداد الشارع بينما انشغل الناس بين جندي ومدني يفككون بقايا محركاتها. دول عظمى وصغرى انهمكت في طرده ولم يبق شيء في هذه الدويلة لم ينهب. البنوك السيارات المدارس المواد الغذائية حتى آبار نفطها والسفن الراسية ضُرِبت.
وبالكاد وصلت البصرة التي امتزج شعبها الودود مع الشعب الكويتي وكنا نفتح أبواب بيوتنا لأصدقائنا الذين يستمتعون بجمال وهدوء المدينة يومي الخميس والجمعة، إضافة الى امتلاء المطاعم والفنادق. ولم نعلم ان المستسلمين في خيمة سفوان المذلة قد وقعوا مع الأمريكان على استباحة كل شيء وبيع كل شيء مقابل السماح لهم باستعمال طائرات الهليكوبتر لضرب الانتفاضة الشعبية التي اسقطت كل المدن تقريبا عدا بغداد.
توزعت المآتم في العراق بينما علت أصوات الافراح بين بقايا الكويتيين في الكويت والخارج. وتساءلت وأنا أقف لساعات في طابور طويل وسط "ساحة سعد" في مدخل البصرة أملا في قنينة ماء من شاحنات بدت كويتية بعد ضرب الأمريكان البنى التحتية للماء والمجاري والكهرباء وكل شيء تقريبا.. كيف وماذا نعمل ليلتم شمل العائلة ومسح الألم والحقد والرغبة في الثأر مقابل ما حصل؟
خرجتُ من الطابور وسألته. يا أخي . لماذا لم توزع الماء ونحن واقفون لساعات؟ نظر الي وقال: انتظر يا عراقي ريثما يأتي المصور. ساعة واحدة لا أكثر.
- ساعة؟
- نعم فنحن مازلنا بحرب وسيحصل بكم مثل ما حصل بنا.
- كل هؤلاء عطشى ولا ذنب لهم بما حصل لكم يا أخي.
- أعرف وكلنا يعرف. اطمئن سنوزع الماء الكويتي عليكم ولكن لابد من الانتظار.
- انتظار! وهل انتظرَ اهل البصرة وأبقوا سفينة المرحوم "محمد اليعقوب؟" حتى الطفل الصغير بادر بملئها بماء صاف وبتمر البرحي والمكتوم والزهدي، الى أهلنا بالكويت.
- تمام يا رجل. تمام يا أخي. اطمئن، ها هي ناقلة الجنود وصلت.
نزل منها شخصان ببدلتهم العسكرية وانشغلوا بالتصوير وبينما راح الصحفي يقذف بقناني الماء على الواقفين الذين تلاقفوها بلهفة. توقف ونظر اليَّ. لم أرتح لنظراته. لعنت ذلك الدكتاتور الذي أرغمنا لخوض حروب لا نهاية لها.
تقاربتْ خطواتي نحو البيت. ضغطتُ على قنينة الماء اليتيمة في يدي وتذكرت نظرات الزهو الفارغ التي رمقني بها. تمنيت أنني لن أصل لعائلتي. تمنيت أنني أموت.

تعليقات
إرسال تعليق