رحلة الموت ..ق.ق بقلم أ/ محمد الدحان
. حكايا الطاكسي ...
رحلة الموت ..... قصة ..
الجزء 4....
كل الإشارات تأكد ودون كثير تفكير أننا نقترب من بوابة الداب داب الحدودية حتى لاحت لنا في النهاية ... منطقة نائية وسط صحراء قاحلة ومناخ قاس جدا وطقس شديد الحرارة .
لم تكن إجراءات الجمارك الليبية معقدة لننتهي منها بسرعة وننطلق نحو بوابة الحدود الجزائرية ، فالجمركيون الليبيون وكذلك رجال الأمن ليسوا متشددين كثيرا في ما يخص الهويات ، ويمكنك العبور أمامهم حتى بدون جواز سفر ، ولا يسألونك عن أي شيء أو يستفسرونك حتى ما إذا كنت مواطنا ليبيا أو تنتمي إلى دولة أخرى ، ولا يلتفتون لك ، وحدودهم مفتوحة على مصراعيها لكل عربي يدخلها متى شاء ، ومن أي أبوابها شاء ، وهذه نقطة كانت تحسب لهم حقا .
توقفنا أخيرا في مكان فسيح في العراء ، وتقدمنا جميعا نحو باب الحدود الجزائرية الداب داب ، وهو بناء ضخم يشبه في شكله الهندسي المعمار التركي إلى حد بعيد ، هذا إذا لم يكن بالفعل شيد إبان الفترة التي كان فيها العثمانيون يبسطون نفوذهم على خريطة الوطن العربي ، ومنطقة المغرب العربي ، عدا المغرب طبعا الذي ظل صامدا أمامهم ، بصمة تركية مع خليط لمسات فرنسية تتجلى في كتابات باللغة الفرنسية بحروف مزركشة رسمت فوق فسيفساء قديمة تزين أعلى باب كبير مقوس كان يتوسطه .
دلفنا إلى الداخل ، فإذا نحن داخل فناء فسيح غير مسقف ، انتشرت فيه أشجار الأرانج والمزاح ، وبعض أشجار النخيل الباسقة التي كانت تتوسط دائرة على شكل جزيرة في وسطه ، وتحيطه مكاتب من جوانبه الأربعة ، تطل عليه من خلال أقواس عالية على الطراز التركي القديم ، غير أنك ومرة أخرى لا تلبث أن تشعر بوجود بصمة المستعمر الفرنسي في ألوان الأبواب والنوافذ وشكلها المربع الكبير وكأنك تقف شاهدا على صراع بين الحضارات القديمة التي شهدها هذا البلد .
المكان خال وصامت ، تسائلت ...!... يبدو أنه لا أحد غيرنا سيعبر الحدود في هذا اليوم الحار ... هدوء يسود إلا من بعض الأصوات الخافتة التي كانت تتماهى إلى أسماعنا من داخل بعض المكاتب ... تقدمت من أحدها ، وما كدت أطل برأسي من الباب حتى عاجلني صوت من الداخل .... تفضل ، ماذا تريد .... ؟ ...
قلت .....
_ السلام عليكم سيدي ، نحن مغاربة ، نريد إتمام إجراءات العبور لنواصل رحلتنا إلى المغرب ....
نهض الرجل على الفور ، كان موظف جمارك يلبس زيه الرسمي ذي اللون الأزرق الفاتح كلون جدران وأبواب البناية التي نتواجد فيها ... تأكد من عددنا ثم سلمنا نمادج ورقية وطلب منا أن ندون بياناتنا عليها ، وعاد إلى مكانه يكمل حديثه مع رفيقه الذي لم أتمكن من رؤيته ، فقد كان متواريا في ركن خفي خلف الباب ، وفورا انهمكنا في ملإ تلك الأوراق ، لكن وبعد أن ألقى الموظف نظرة عليها ، وجد أنها مكتوبة باللغة العربية فرفضها ، وطلب منا أن نعيد كتابتها باللغة الفرنسية هذه المرة ، فعدنا من جديد نجتهد في تغيير اللغة ، وساعد المتعلم منا الأمي ، والمُفرنس المُعَرب حتى انتهينا من ذلك بسرعة ، ثم عرجنا نحو قاعة كبيرة بعدما جلبنا إليها كل أمتعتنا يسبقنا موظفان جمركيان حضرا في اللحظة الأخيرة ، فتم تفتيش أغراضنا تفتيشا دقيقا ، والتأكد من المبالغ المالية التي نحملها معنا والتصريح بها ، وفي الأخير تم تفتيش السيارتين ليسلمونا جوازاتنا في النهاية ويتمنون لنا رحلة موفقة في بلدنا الثاني الجزائر .
ركبنا سياراتنا وألقيت نظرة أخيرة على المكان ، فتذكرت وأنا أنظر إلى ذلك البناء القديم أفلام رعاة البقر في الغرب الأمريكي ، وتلك الأرياف القديمة النائية التي لا يصلها الغرباء إلا ناذرا ، فيصبحون محط عيون الفضوليين من السكان المحليين .
انطلقنا أخيرا بعد أن رفع شرطي عمودا مهترئا كان في طريقنا وحيانا بإشارة من يده ، ففتحت لنا بذلك البوابة لندخل الأراضي الجزائرية ، وفي انتظار ما ستجلبه لنا الساعات القادمة من مفاجآت .
...........يتبع ......
محمد الدحان ....
.

تعليقات
إرسال تعليق