يارسول الله .. ما النجاة .. ؟ بقلم د/ أحمد شديفات

 بسم الله الرحمن الرحيم

من هدي النبوة

{{... يا رسولَ اللهِ، ما النَّجاةُ؟... }}

يقولُ عُقبةُ بنُ عامرٍ رضِيَ اللهُ عَنه قلتُ:-

 يا رسولَ اللَّهِ ما النَّجاةُ؟

قال: أمسِكْ عليْكَ لسانَكَ،

وليسعْكَ بيتُكَ،

وابْكِ على خطيئتِكَ }

هذا الحديث في منتهى الفصاحة والبيان ويتمشى مع الظروف الحالية التي تمر بها البلاد في شرقها وغربها، طُرح للواقع في عبارات سهلة ممتعة وممتنعة واضحة لا تحتاج إلى بيان، فهي تحفز المستمع إلى الإصغاء للحديث حبا له، هذا هو الإرشاد سهولة الهدي النبوي، وهذا هو اهتمام الصحابة فيما ينفعهم فهذا حرص شديد منهم على النجاة وطلب من هذا الصحابي أن يرشده النبي صلى الله عليه وسلم ويدله على أسباب النجاة في الدنيا الموصلة للآخرة...

هذه الحديث يتضمن الأساليب الاحترازية الوقائية التي يدلنا عليها نبينا عليه الصلاة والسلام من أجل النجاة من كل ما يلحق الإنسان من ضرر، وهي تربية لنا ولغيرنا، وسؤال واهتمام الصحابة الكرام بتعاليمه صلى الله عليه وسلم  بوسائل النجاة، فجاءت أوامره  صلى الله عليه وسلم أمسك لسانك، والتزام بيتك وابك خطيئتك

الأمر الأول :- من وسائل النجاة " أمسك عليك لسانك "

أمر جميل بدأ به الحبيب صلى الله عليه وسلم فبدل من أن تشغل لسانك فيما لا يعود عليك بالنفع فأشغله بذكر الله والدعاء والإصلاح والنصح والإرشاد وتَعَوَّد صحيح القول وسهولته ولينه ولطفه فقد شاع القيل والقال

إذن "أمسك عليك لسانك"  فلا تطلق سراحه فيما لا خير لك فيه، وفر في الكلام الذي لا فائدة منه

الحديث{ومَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ}

"أمسك عليك لسانك" لفظة "عليك" أي ما قد يجلبه عليك من الضرر، فليكن لسانك لك دليل خير في أسباب النجاح والفلاح  والإحسان لكي يجلب لك ما يسرك في نفسك،

"أمسك عليك لسانك" فلا تلفّق به الأخبار الكاذبة، ولا ينشر الإشاعات المغرضة، ولا يفسد حياة الناس...

" أمسك عليك لسانك" ففي الحديث (إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيْسَ بِاللَّعَّانِ، وَلا الطَّعَّانِ، وَلا الْفَاحِشِ، وَلا الْبَذِيءِ) وهذا الموجود في السوق الآن والمجالس الشتائم والسباب الفاحش

الأمر الثاني :- من وسائل التدابير الوقائية للبشرية " وليسعك بيتك"

من نعم الله أن يكون للإنسان بيتا يأوي اليه، فيرضى بما قسم الله له فيه من سبل الراحة والسعة والاطمئنان...ومن حقوق الإنسان التي دعا اليها الإسلام،

فالحديث"  لَيْسَ لاِبْنِ آدَمَ حَقٌّ فِي سِوَى هَذِهِ الخِصَالِ ، بَيْتٌ يَسْكُنُهُ..."                    

"وليسعك بيتك" صدق رسول الله عليه الصلاة والسلام لا يسع الإنسان إلا بيته الذي يعيش فيه راحته واستقراره ولو كان كوخا فهو يفضله على قصر منيف، ففيه تأخذ حريتك وفيه تستر نفسك وفيه أحبتك أهلك وولدك ومكان طعامك وشرابك ونومك، وفيه متسع راحتك النفسية فهو مملكتك الخاصة بك وبه رضيت، وبه مرضت وتعافيت، فهو الذي يسعك لا غير

  فحمد الله على ذلك وشكره على نعمه، تصور ما يحصل الآن لو صودر بيتك أو هدم أو ردم عليك  تصور بيت العمر الذي جمعت أعواده كالعصفور عودا عودا حتى بنيته وأتى المجرم فجعله أثر بعد عين وسرق محتوياته وأنت تقبع على  أنقاضه لا تجد ما تأوي اليه هذا تحطيم للنفس ماديا ومعنويا الله على من لا يخاف الله

ومن من هنا كانت البيوت مكان الإقامة والحماية والستر وللبيوت حرمتها المصونة الخاصة بها، من أي اعتداء عليها... والبيوت وسيلة من وسائل التدابير الوقائية والاحترازية بكل حرية لأفرادها ،فجاءت عبارة ألزموا بيوتكم طبعا حفاظا وخوفا عليكم من الأوبئة الخطرة والحروب والأمراض وغيرها، فهي مكان الأمان والسلامة والصحة

قال صلى الله عليه وسلم في فتح مكة من دخل بيته فهو آمن" قارن بين هذه الحروب القذرة والوصايا النبوية  وانظر اليوم القتل والتشريد والتهجير لا إلى جهة معينة فالله المعين  كم من لا بيت له بعد أن كان له بيوت الآن يفترش الأرض وغطائه سقف السماء ينام في العراء في حر الصيف وشدة برد الشتاء،

الأمر الثالث :- وسائل الاحتراس من أجل التوبة  

إذا لم تؤدي حقوق الشكر والفضل لله  فبادر فورا قبل أن تغادر فما بين يديك قد يذهب في أي وقت  " وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ" وأمساك عليك لسانك وليسعك بيتك

فإن أمن الإنسان لسانه وأمن بيتا يسكن فيه عندها يتفرغ لأمر آخرته وعبادته ومساعدة الآخرين ، ففي مثل هذه الظروف يكون بيتك مكان خلوتك مع الله عز وجل، فلا تضيع وقتك بما لا يعود عليك بالمنفعة دينا ودنيا، فهذه فرصتك التي لا تتعوض...                                                                                                       ففي الحديث  {نِعْمَتانِ مَغْبُونٌ فِيهِما كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ والفَراغُ}

فبادر بالتوبة وابك خطيئة ذنوبك التي مضت وأياك والتفريط والتسويف في التوبة فالمصيبة قد تعظم عليك، فأيامك قليلة فجعلها طاعة لله ومع الله لا تدري ما الله فاعل بك في قادم الأيام أطلب الله الثبات لقلبك على دينه وأن يحفظ عليك والمسلمين ديارهم وأعراضهم وأولادهم فكم من مدن دمرت كاملة في بلاد المسلمين غزة وفلسطين وسوريا والعراق واليمن وأصبحت "... قَاعًا صَفْصَفًا، لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا"106 ،107 سورة طه

وقد كان القوم  مثلك في أمان في بيوتهم فجاءهم أمر لم يكن في الحسبان لنعود إلى الله  ...

منْ ذا الذي مـا سـاء قــ *** طُّ ومنْ له الحسنى فقط

 إذا عملت بهذه الأوامر والنصائح سلمت وغنمت فهي وسائل الوقاية والنجاة والمسارعة للتوبة قبل فوات الأوان فها هي المنايا تتسابق مع البشر "قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ" 8 الجمعة                            تقديم الدكتور أحمد محمد شديفات / الأردن        



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جرانة مالحة .. بقلم أ/ أحمد الكندودي

رحلة الموت ..ق.ق بقلم أ/ محمد الدحان

هي صرختي .. بقلم أ/ أحمد الزعيم