لقاءان .. قصة قصيرة بقلم أ/ نورالدين بنعيش


 قصة قصيرة  بقلمي

-'-----‐-----------------------------

لقاءان صنعتهما حقيبة


******

    حتى لو كانت المصادفات نادرة،  فكثيرا ما نجدها ترسم مسارًا جديدًا  للإنسان ،  يقلب حياته رأسا على عقب  بين عشية وضحاها؛ ويجعل  سفينة المرء تسير في الاتجاه  المعاكس لما كان  يشتهيه.

 إن  ترك حقيبة صغيرة، في حافلة مزدحمة ،ليس بالأمر الذي يستهان به  ، ولا هي   مجرد شىء عادي، كباقي الامتعة الضائعة ،بل لها رمزية فريدة من نوعها ، فهي  تشكل  خيطًا فتلته أيادي  القدر، لربط أنسجة   بقلب يلهث خلف أم مقبلة على عملية جراحية ، وقلبي صديقتين حميمتين حملتا معه بعضًا من ملامح حب قائم على أسس متينة .

هكذا، على حافة القلق،  وفي زحمة مدينة غاصة بالسكان، وضجيج  لا يكاد يخفت حتى حلول الليل، ولد لقاء لا  يشبه سواه…

قادِمًا من أحد هوامش المدينة، وبالضبط من أحد أحياء الصفيح المحيطة بقلب العاصمة الاقتصاديه  ، ركب أحمد حافلة شبه ممتلئة، تتمايل مع كل انعطاف على الطريق الطويل المؤدي إلى المحطة رقم (1)، ليلتحق بحافلة أخرى توصله إلى المستشفى حيث ترقد والدته.

كل الفحوصات الطبية، أثبتت أن أحد شرايين قلبها  أُصيب بانسداد تام، وهي مجبرة على إجراء عملية جراحية،

(  قلب مفتوح) في أقرب وقت .

جلس أحمد قرب النافذة، عيناه مشدودتان إلى الخارج، وقلبه مثقل بكتل من الحيرة والشكوك والخوف ، يزداد ثقلها كلما توقفت الحافلة من جراء  كثرة المارة الراجلين ؛ والعدد المهول لوسائل النقل المتعددة . كان يحاول أن يدرك أمه ،قبل أن تُنقل إلى غرفة العمليات هذا الصباح، فهو يخشى  ألا يراها.

على يمينه  كانت تجلس فتاة في مقتبل العمر، صامتة لكنها مثيرة بعيون تسحر الناظر إليها،  ابتسامتها المنقوشة على شفتيها، تعادل ضوء نهار ينساب وسط غيم كثيف.  شعرأحمد بإحساس غريب نحو الفتاة ، حاول فتح باب  الحوار معها ،لكن جرأته  أجهضت في مهدها ،  فقد أحاطت  نفسها بجدارا من صمت فولاذي، من الصعب  اختراقه .

توقفت الحافلة، فحاولت امرأة عجوز تتكئ  على عصا الصعود ، لكن الأمر  استعصى عليها. كالسهم المنفلت من القوس أسرعت الفتاة ، فنزلت لتقدم لها يد المساعدة ، وما إن صعدت السيدة المسنة، حتى أُغلق الباب الكهربائي تلقائيًا، وانطلقت الحافلة، تاركة الفتاة  متسمرة في مكانها.

صاح أحمد:

ـ "الفتاة بقيت هناك!"

لكن السائق لم يعتد بكلامه، وكأن مثل هذه الحالات قد اعتادها  ،فأصبحت مألوفة لديه.

جلست السيدة العجوز بجوار أحمد، معتذرة عن المشكل الذي تسببت فيه لتلك الفتاة. كتم  غيظه وهو يطقطق أصابعه، مكتفيا   بهمسة حزينة:

ـ "ما بقي منها غير الحقيبة الصغيرة، وحيدة… تشهد على غياب مفاجئ."

انغرس في سكون عميق ،كأنه يستعرض أحداث شريط سينمائي،  بطلته تلك الفتاة  التي غُيبت عنه بسرعة البرق.

عند وصول الحافلة إلى المحطة  الأخيرة، أمسك أحمد بالحقيبة وتوجّه نحو السائق بامتعاض شديد قال له:

ـ "هذه حقيبة الفتاة التي تخلّيت عنها هناك!"

فرد السائق بلا مبالاة:

ـ "سَلِّمها إلى مكتب الشرطة المختصة، أنا لا أتحمل المسؤولية."

وجد أحمد نفسه في حيرة؛  فتسجيل محضر عند الشرطة في شأن  حقيبة ،يستغرق  وقتًا طويلًا، وهو مرهون بالزمن، لأن الحافلة التي ستوصله إلى المستشفى ستغادر بعد لحظات.  وبعد تفكير عميق  حسم أمره وهرول نحو الحافلة.

بينما هو غارق في شروذه ، دوى من داخل الحقيبة رنين هاتف. حاول  فتحها مرتبكًا، لكن الرنين انقطع. أخذ يفتش بين الدفاتر الصغيرة وعلبة عطر وشال منمّق، فلم يهتدِ إلى مكان الهاتف. تصفح صفحات الكتب والدفاتر، لعله يجد رقمًا، أو عنوانًا يسهّل الاتصال بصاحبة الحقيبة، لكن دون جدوى.

ركبه همّ مسؤولية أخرى، هو في غنى تام عنها . تركها مفتوحة ، على أمل أن يُعاد الاتصال ليتخلص من مصدر الإزعاج، لكن هيهات… الحقيبة بين يديه،  أصبحت كالثقل الجاثم، على صدر مريض عاجز على النهوض من فراشه.

وصلت الحافلة إلى المستشفى، وقبل أن تتوقف، قفز أحمد بسرعة متجهًا نحو غرفة والدته.

 فتح الباب… لا أثر للوالدة سوى منديلها ،وقنينة ماء فارغة.  بلهفة حضن المنديل، كأنه يحضن صدر الام الحنون ، اغرورقت عيناه بالدمع، لكنه تعمد حبسه كي لا ينهار. استلقى بعض الوقت فوق السرير ، جمع أنفاسه؛ ثم توجه إلى ردهة الانتظار ، فبقي هناك مركزًا نظره على باب غرفة العمليات.

عاد ليفتح الحقيبة مجددًا ، أخيرا عثرعلى ضالته،إنه في جيب صغير ،صعب على المرء أن يهتدي إليه بسهولة . وقتها  شعر بنوع من الارتياح.                                  

مشتاقا لغمضة   تذهب عنه الارهاق الذهني الذي يعاني منه ، وضع أحمد رأسه   بين يديه، مترقبا  فتح غرفة العمليات، لكنه سرعان ما تفاجأ برنين الهاتف، التقطه:     

ـ "ألو؟"

صوت أنثوي ملهوف يسأل:

ـ "تأخرتِ يا سلمى، أين أنت؟ لقد بدأت الحصة الدراسية، الجميع حاضر إلا أنت!"

أجابها أحمد:

ـ "هي معي الآن ،أعني الحقيبة ،فقد تركتها  في الحافلة"

شكرته الفتاة بحرارة، واقترحت أن تلتقيه لتستلمها منه. وافق دون تردد، على أن يكون اللقاء، عند مدخل حديقة الطلاب، الساعة الحادية عشرة هذا الصباح. 

 تذكّر احمد والدته الطريحة في فراش الموت، فعاد ليتصل بالفتاة قصد إخبارها بذلك، غير أن رصيد المكالمة نفد؛ اشترى بطاقة التعبئة، وحاول الاتصال بها من جديد ،  فوجد الخط مغلقًا.

 ارتفع ضغط الدم في عروقه، وغشّى ضباب اليأس تفكيره. بدأ صبره ينفذ، وكاد أن يلقي بالحقيبة ليتخلص منها  ، لكنه في الاخير تمالك نفسه ،قبل فوات الأوان.

 حان موعد اللقاء، فاتصلت به الفتاة. تردّد  أحمد عن الرد  ، فالغضب مازال يخيم عليه ،لكن إلحاح الرنين أجبره على استقبال المكالمة ،  

ـ "أين أنت؟" سألته الفتاة.

ـ "أنا في المستشفى مع والدتي وقد اتصلت بك لأخبرك بذلك"    

ـ "خيرًا إن شاء الله." ردت الفتاة مضطربة، ثم واصلت حديثها: "أتمنى لها الشفاء العاجل ،انا جد آسفة  لعدم تمكني من الرد كنت؛ في احدى الحلقات  الجامعية.        

حديث الفتاة أذاب جليد القلق الذي غلف قلبه ؛ ليجد نفسه تائها  خلف خيط من ضباب. 

فُتح باب غرفة العمليات، وخرج طبيب جراح بزيّ أخضر، ومعه طبيب التخدير بزيّ أزرق، جالا بعيونهما في القاعة بحثا عن أحمد  ؛ لما أبصراه، أسرعا نحوه، فعانقاه قائلين:

ـ "الحمد لله، كللت العملية بالنجاح. يمكنك  الاطمئنان على حالة الوالدة ،بعد أن  يتم نقلها إلى قسم العناية المركزة."

قبّل أحمد رأسيهما، وبكى من شدة الفرح.

في المقهى المحاذي للمستشفى، جلس  يتصفح جريدة صباحية، فإذا بالهاتف يرن مجددًا، "إنها هي" تمتم .

ـ "من معي؟" سأل بصوت هادئ.

تلعثمت الفتاة: "أنا صديقة سلمى… هل من خبر عن والدتك؟"

" هي بخير الآن لكنها لم تستفق بعد من التخدير" أجابها أحمد 

 إحساس غريب داهمه،  وهو ينصت إلى صوتها الدافىء . لقد شعر قلبه بنشوة أذكت نيران الشوق ،استعجل رؤيتها والجلوس معها  . 

قاطع كلامها ليحدد معها موعدًا، أجابته:

ـ "دع عنك موضوع اللقاء جانبا، واهتم الآن  بالوالدة."

أكثر من الإلحاح عليها، فنزلت عند رغبته. اتفقا الاثنان على لقاء عند باب حديقة الطلاب بعد صلاة العصر.

 تحت شجرة الأرز، التقى بها، فراحت تحدثه عن صديقتها سلمىى ؛تحصي خصالها الحميدة ؛وتروي بعض الطرائف  عنها، وأحمد  مركزا سمعه على كل ما كانت تحكيه عنها ،لكنه شعر بالملل ، حين أطالت في الحديث، . أوقفها عن الحكي فجأة:

ـ "آثرتِ الحديث عن صديقتك، ونسيتِ أن تعرفيني بنفسك."

ارتبكت، واحمرّت وجنتاها، ثم قالت بلسان مرتعش:

ـ "أنا هدى… طالبة بكلية الحقوق."

ابتسم أحمد وقال:

ـ "كلك اختزلته في بضع كلمات."

أجابته بلطافة:

ـ "المرء ليس مرآة نفسه، الآخر هو من يستطيع وضعك في الخانة التي يراها مناسبة لك."

 كلام أربك  أحمد، وبعثر كل أوراقه  فقال مبتسما:

ـ "أنا أحمد، أنهيت دراستي العليا، أبحث الآن عن عمل؛ يمكنني من تأسيس أسرة؛ لكن شريكة حياتي، لم أعثر عليها بعد"،  ثم واصل كلامه :   " ربما تكونين أنت يا هدى" 

   بعد أن فوجئت بكلام معسّل ؛  حدقت طويلا في عينيه ،كأنها أرادت أن تنفجر في وجهه. الزواج حاليا ،غير وارد في قاموس حياتها، فكل اهتمامها؛        منصب على إتمام دراستها الجامعية،والظفر بديبلوم في الدراسة العليا، يسمح لها بالدخول إلى سوق الشغل. غيرت مجرى النقاش  باستفساره عن حالة والدته، أجابها:

ـ "نجحت العملية، الحمد لله."

ثم تابع: "لم تقولي شيئًا بعد."

نهضت من مكانها دون استأذان قائلة" :

ـ "لدي موعد في المكتبة مع إحدى صديقاتي، نحن بصدد إعداد عرض مسرحي."

سلمها الحقيبة، وهمس لها:

ـ "سنلتقي ثانية."

فردت بخفوت:

ـ "لا أستطيع أن أجزم الآن."

انفضّ اللقاء دون أن يحقق أحمد ما كان يرجوه. 

في  غرفته قضى ليلته؛ يمزج بين صورتين: سلمى التي خطفت قلبه من أول نظرة، وهدى التي  أسرت مسامعه  بكلامها ، وموقفهاالشجاع الذي أبدته  له. 

في الغد، تم الاتصال به من جديد ،   هذه المرة لم يكن صوت هدى، بل صوت آخر غريب عنه:

ـ "أنا سلمى… أريد مقابلتك لأقدّم لك شكري."

وافق قلبه قبل لسانه، واتفقا على اللقاء في حديقة الطلبة بعد العصر. بعد أن اطمأن  على الحالة الصحية لأمه، وجد نفسه في مكان اللقاء ،  يلوك الكلمات في فمه ،لا يدري ما سيقوله لصاحبة الحقيبة . وما إن ظهرت سلمى له     ،حتى عرفها من أول نظرة.أشار لها بيديه ، ابتسمت له كما في المرة الأولى، لكن بابتسامة أطول .  جلست على الكرسي جنبه.

 كل منهما أزال القيود عن لسانه ،واطلق العنان للبوح ،فسبحا  في بحور الكلام  . شعر أحمد حينها بدفء لم يسبق له مثيل، ثم فاتحها في موضوع ، سبق وأن أثاره مع صديقتها هدى . أجابته                                                                  برزانة :

ـ "لقد أخبرتني هدى به."

بلع ريقه وغرق في صمته. وفي تلك اللحظة أدرك في عمق نفسه، أن الحقيبة لم تكن مجرد صدفة عابرة، بل كانت مفتاحا ساقه القدر ليختبر صدق قلب ، كثيرا ما ادعى  صاحبه العشق.    


  القاص نورالدين بنعيش 03/09/2025

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جرانة مالحة .. بقلم أ/ أحمد الكندودي

رحلة الموت ..ق.ق بقلم أ/ محمد الدحان

هي صرختي .. بقلم أ/ أحمد الزعيم