رماد القلب .. بقلم أ/ نورالدين بنعيش

 رماد القلب

******

كثيرًا ما يصنع الحبُّ المعجزات، حين يكون العقل هو السيّد في تدبير الأمور. أمّا إذا أصيب القلب بالعمى، بعد أن تطفو العاطفة على سطح صاحبه، فانتظر الكثير من المفاجآت.

زلاّت قد يسقط فيها المرء، ظنًّا منه أنّه يسلك المسار الصحيح. والتاريخ في مثل هذه الحالات يتنكّر للمخطئ، ولا يشفع له هفواته.

شاءت الأقدار أن يُكلَّف الشاب فالح بمهمّة حراسة "نيتا". لم يكن إسناد المسؤولية إليه اعتباطًا، بل مبنيًّا على ثقة اكتسبها لدى القيادة.

رتبة "نيتا" كجندية برتبة ضابط صف في جيش العدو جعلتها تُحاط بسرية تامة، داخل زنزانة مظلمة مشيّدة في نفق تحت الأرض. كانت تعدّ نهارها وليلها بمرارة، كغيرها من الرهائن المحتجزين عند المقاومة، معلّقة آمالًا كبيرة على نتيجة المفاوضات التي كانت تجري بين أطراف النزاع.

على مدار الأسابيع الأولى من الأسر، كان فالح يكتفي بتسليم "نيتا" وجبات الطعام الثلاث، ملتمسًا منها أن تُشعره إن ألمّ بها أي طارئ:

ـ "أرجوكِ، أخبريني إن أصابك مكروه."

لم يكن ليخوض معها حديثًا في أيّ موضوع، خشية أن تستهويه.

هادئة كالمحيط وقد اختفت أمواجه، كانت نيتا تكتفي بكلمات شكر لا غير، متّخذة ما أمكن من الحذر. لكن الرتابة اليومية فتحت ثغرة في قلب فالح؛ لقد انهار أمام نيتا كجبل من رمل، ليقع في شراك حبٍّ طالما تجنّبه.

صار يفكّر فيها باستمرار، ويستعجل وقت الوجبات لينعم برؤيتها. أفسد العشق طبعه، وسحب جمالها الساحر البساط من تحته، فلم يقوَ على المقاومة؛ رغم محاولاته الإكثار من النوافل ، لا قيام الليل أنساه نيتا، ولا الذكر الطويل حجب صورتها عنه.

كانت نظراتها كطرف رمح يقعص القلب، ونبرة صوتها المنبعثة من شفاه تعلوها ابتسامة جارحة تُلهب النار في دواخله.

وذات مساء فاجأها بكلام لم تعهده منه:

ـ "نيتا، بصدق، أنتِ كخميرة أصيلة، كلّما تخمّرتْ أعطت للخبز نكهة خاصة."

استملحت حديثه دون تعليق؛ فهمها الأول والأخير كان البحث عن كيفية الخلاص من الأسر. أما فالح، فبالنسبة إليها، لم يكن سوى سحابة صيف عابرة. كانت تخفي سرًّا ذا شأن عظيم، أكبر مما كان يتوقّعه.

في ليلة باردة كبرودة دم الأفاعي، لم يجد فالح متعة النوم، ولا عرف كيف يتخلّص من التفكير الذي يرهقه. همس له قلبه:

ـ "عليك أن تذيب جليد نيتا... اكسر صلابة قلبها الجامد."

استلذّ هذا الهمس، فراق مزاجه، وانجذب قلبه إليها كما تنجذب الأوراق اليابسة إلى لهب خفيّ. ومن حلم عميق كان سابحًا فيه، استفاق وهو يردّد:

ـ "ليس كلّ من طاوع قلبه خائن."

قام من فراشه حائرًا بين أن يسلك مسار عقل مُسيَّج بتعليمات القيادة العسكرية، أو أن يتبع طريق عاطفة أحاطت قلبه بشوك العذاب. 

جلس يحاول فكّ لفّة من خيوط متشابكة. منهكًا بالتفكير ارتمى في حضن فراشه.

قبل الفجر، سمع صوتًا خافتًا يخترق قضبان الزنزانة. تحسّس مصدره، إنها هي قال في نفسه مبتهجًا:

ـ "أخيرًا جرفتها عاصفة الحب لتسقط في نهر عشقي."

ركض نحوها مزهوًّا بالانتصار، وسألها:

ـ "ماذا هناك يا نيتا؟"

فأجابته بصوت مسحوق بالتردّد والخجل:

ـ "أريد أن أخبرك بشيء مهم."

لم يترجّل عن صهوة كبريائه، وكأنّ الخبر لا يعنيه، وقال:

ـ "أخيرًا يا نيتا، هزمك حبّي."

ثم تابع كلامه كالمتشفي في خصمه:

ـ "كنت متيقّنًا من حبّك لي و..."

فقاطعته:

ـ "الموضوع أعظم مما تظن."

ردّها أدهشه وجعله يفتح نوافذ أخرى لمزيد من الاستفسار. استعجلها على الإفصاح عمّا في صدرها، لكنها كجزر البحر تراجعت عن فكرتها. بدأ القلق يظهر على محيا فالح، فارتفعت أضلعه من كثرة التنفّس، وبسؤال غامض بادرها:

ـ "ماذا يعني هذا التكتم؟"

مع زفرات طويلة، كشفت له أخيرًا عن خطتها. لم يكن يتوقّع ذلك. تساقطت عليه الأسئلة كالبرد في فصل الخريف، وكان لا بدّ أن يجد أجوبة شافية.

وفي صباح اليوم التالي، حينما حمل الفطور إلى نيتا، أجهشت أمامه بالبكاء قائلة:

ـ "حبّك يا فالح أضعفني ."

جملة اختزلت الأجوبة التي ظلّ يبحث عنها، فتيقّن من صدقها. على الفور اتصل بقائده وأطلعه على الأمر. اجتمعت الخلية لتدارس الخطة، فاختير فالح قائدًا لكوماندوس مكوّن من سبعة فدائيين، على أن تصطحبه نيتا.

في عتمة الليل، تقدّم الجميع وأصابعهم على الزناد، متفائلين بالتوفيق في المهمة. غير أنّ أطيافًا من كلاب ضالة لاحت لهم وهي تتحرّك في اتجاههم، جعلت أحد أفراد الكوماندوس يتسرع في إطلاق النار . اشتعلت أضواء معسكر العدو، وفي لحظة فوجئوا بوابل من الرصاص يمطرهم . حاولوا الصمود والثبات في خط الموت لكنهم سقطوا في كمين دموي محكم بعد أن نفذ الرصاص؛ لم ينجُ منه سوى فالح، فيما أطلقت نيتا ساقيها للريح وهي تردّد كلمات مشفّرة أنقذتها من الهلاك.

   رجع فالح خائبًا، وعلى طول الطريق كان يردّد معاتبً


ا نفسه:

ـ "ثكلتك المقاومة يا فالح! انتصر عليك حبّ نيتا... فأنت اسم على غير مسمّى. لن يغفر لك التاريخ زلّتك."

ثم انغرس في صمت الليل.

نورالدين بنعيش بقلمي /11/09/2025

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جرانة مالحة .. بقلم أ/ أحمد الكندودي

رحلة الموت ..ق.ق بقلم أ/ محمد الدحان

هي صرختي .. بقلم أ/ أحمد الزعيم