نقد وتحليل قصيدة "شمعة" .. بقلم الأديب/ علي البدر

 علي البدر والتحليل النقدي لقصيدة  "شمعة" 

للشاعر عبد الصاحب الأمير ي 


قضيتُ سنينَ عمري عاجزًا،  

قضيتُ سنينَ عمري أتألم،  

قضيتُ سنينَ عمري، والطبشورُ بين أناملي،  

لأرسمَ على اللوحِ أبًا كأبيك،  

كأبي، حاملًا أعباءَ الحياةِ على كتفه.  

لم أجدْ لرسمِه فنًا،  

لم أرَه يومًا يشكو، أو يتألم،  

حتى في نومه يتكلم.  

الطبشورُ يفرُّ من يدي هربًا،  

الطبشورُ يفرُّ من بين أناملي، من أبيك، من أبي، خجلًا.  

أقنعتُ الطبشورَ ساعاتِ يومي  

أن يعودَ، ليوثِّقَ على اللوحِ  

أبًا...  

لا يرى أبي، أبوك، في المرآةِ نفسَه،  

سوى شمعة.  

أقنعتُ الطبشورَ به، أتوسل،  

لولاهُ لما كان على اللوحِ رسمًا،  

لما كان على اللوحِ للطلابِ درسًا.  

التقطتُ الطبشورَ ثانيةً،  

فهمسَ بأذني،  

ومسحَ بكمِّ ثيابهِ دموعَه:  

من أنا؟ من الأب؟  

من أكونُ لأرسمَ أبًا؟  

لأرسمَ مخلوقًا،  

ضحّى بما عنده من أجلِ غيره،  

لأرسمَ مخلوقًا سحقَ الأنا تحتَ أقدامه  

لينيرَ لي ولك دربًا.  

سوى أن أقول:  

أرسمُ شمعة.  


تحليل نقدي لقصيدة "شمعة" للشاعر عبد الصاحب الأميري


1) الموضوع والمضمون:


       تتناول القصيدة موضوعًا إنسانيًا عميقًا: الأب، الذي يجسد رمز التضحية، الصبر، والإنكار التام للذات من أجل الآخرين. يُقدِّم الشاعر صورة حسية وشاعرية للأب كشمعة تحترق لتنير الطريق للآخرين، وهو رمز كلاسيكي يشير إلى الفداء والعطاء دون انتظار المقابل. القصيدة تحمل في طياتها إشادة واضحة بدور الأب في بناء الأجيال وتشكيل القيم الإنسانية، لكنها تمتزج أيضًا بتأمل شخصي مليء بالرهبة والعجز أمام عظمة هذه التضحيات.


2) اللغة والأسلوب:


        تتسم لغة القصيدة بعفويتها وبساطتها، مما يعكس صدق العاطفة التي تكمن وراء الكلمات. الشاعر يستخدم تكرارًا مقصودًا لبعض الكلمات مثل "الطبشور" و"أرسم" لتأكيد عمق المشاعر والحيرة التي تسيطر عليه. كما أن توظيف الحوار مع الطبشور يعطي النص حيويةً، إذ يجعل الجماد شاهدًا ومشاركًا في رحلة التأمل هذه.

        كذلك، جاءت الصور الشعرية عميقة وبسيطة في آن، مثل "الطبشور يفرُّ من يدي خجلًا"، وهي صورة تعبر عن استحالة تجسيد التضحية في عمل فني أو رسمة.


3) البنية :


       القصيدة تعتمد بنية متكررة تمزج بين السرد الشعوري والتأمل الفلسفي. هناك صراع داخلي يظهر في النص بين رغبة الشاعر في التعبير عن الامتنان وبين عجزه عن الإحاطة بعظمة الأب. يُظهر ذلك إدراكًا عميقًا لتواضع الإنسان أمام نماذج الإيثار النبيلة.


4) العاطفة والتأثير:


       العاطفة في القصيدة واضحة جدًا، فهي تبدأ بالإحساس بالعجز وتنتهي بالإعجاب والفخر. يمتلئ النص بروح الامتنان للأب، لكن الشعور الذي يطغى هو الحيرة أمام عظمة دوره.


5) الأمل والتفاؤل في النهاية:


       رغم أن القصيدة تتحدث عن التضحية التي تحمل أبعادًا مؤلمة، إلا أن النهاية تتسم بالأمل والتفاؤل. وصف الأب بـ"شمعة" ليس إشارة لفناءٍ محض، بل رمز للنور الذي يتركه وراءه للأجيال القادمة. فالأب، وإن احترق، يظل نوره مضيئًا في دروب الحياة التي يسير عليها الأبناء والطلاب.


6) التأمل واستشراق المستقبل:


        يُمكن استكمال هذه الرؤية التفاؤلية بالقول إن التضحية ليست خسارة، بل استثمار في الأجيال القادمة. الأب، في نوره المتجدد، يمنح الشاعر ومن حوله الأمل في غد أفضل، مليء بالقيم التي غرستها تلك الشمعة.

فالشمعة، رغم أنها تحترق، فإن شعاعها يمتد في قلوب الآخرين، ليضيء الدروب التي ستشهد الأمل والتغيير.


7) الرسالة الإنسانية:


القصيدة تحمل رسالة إنسانية قوية: إن الأدوار النبيلة التي يقوم بها الأهل أو المعلمون أو أي نموذج عظيم في حياتنا، تستحق الاعتراف والشكر. كما أن التضحية التي تقدم للآخرين ليست عبثية، بل هي مصدر الإلهام والأمل لخلق مستقبل أفضل.


        بهذا التحليل، نرى أن "شمعة" ليست مجرد قصيدة تتحدث عن الأب، بل هي دعوة للتأمل في قيم الإيثار والاعتراف بفضل من يضيئون دروبنا، مع إبقاء الأمل حاضرًا في أن نورهم لن ينطفئ أبدًا.


علي البدر    Ali Albadr


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جرانة مالحة .. بقلم أ/ أحمد الكندودي

رحلة الموت ..ق.ق بقلم أ/ محمد الدحان

هي صرختي .. بقلم أ/ أحمد الزعيم