ملح وخيزران .. بقلم د/ صوفيا السمان
ملح وخيزران
كنت في السيارة حينما سمعت هذا الرجل الذي لا أعرفه يقول في هذا البرنامج الذي لا أعرفه ولا أعرف أي محطة تلك التي تبثه.. سمعته يقول إن الصبر طاقة، وإن صبر الإنسان على الهموم والصعاب.. هو دليل على تحليه بالقوة التي هي في جوهرها عبارة عن طاقة، ولأن "الطاقة" قابلة للنفاذ في كل آن فإنها تحتاج إلى أن تتجدد على الدوام ومن أهم مصادر الطاقة الترفيه عن النفس.
كنت أصغي إلى الصوت المنبعث من مذياع السيارة وأنا أتأمل شوارع وأرصفة مدينة الحسيمة التي بللها البحر.. غريبة هي هذه الحياة.. غريب فيها ذلك الانتماء الذي نشعر به اتجاه مكان ما.. لطالما كنت أقول إن للمدن أرواح وروائح، وهذه القناعة تترسخ في ذهني يوما بعد يوم، وأعتقد أنني على صواب، تسير أيامي في المدينة التي نَمَوت فيها وتعلّمت واصطبغتُ بزُرقة بحرها.. تسير أيامي فيها دونما مشاكل، تمضي حياتي فيها كأي حياة؛ يوم حلو ويوم مرّ وأيام بينَ بين.. إلى أن تنتابني حالات أشعر فيها أني صرت مثل إناء فارغ، فارغ من كل شيء. أو كعصفور مهاجر شوشت عليه الموجات الراديوية فصار لا يعرف في أي اتجاه يطير.. عندما تنتابني مثل هذه الحالات أعرف أني أحتاج إلى دفعة روحية، أعرف أني أحتاج أن أسترجع سيرة الأجداد لعلهم يفتونني في حيرتي بما منحتهم السنون من خبرة، وينتشلونني من ضياعي بما علمتهم الحياة من حيل تغلبوا بها على ضنك العيش وبدائيته.
في واقع الأمر، كل جدودي ماتوا، وآخرهم جدتي التي أعيش معها منذ سنين.. ولكني لا أزال ألتمس هنا أنفاسهم.. عِطرهم.. ذكرى شيء ما.. شيء لا أعرفه ولكني أشعر به حين يخترق قلبي ويهمس لي بأني يجب أن أكون أقوى.. هذا الشيء إذن هو نفسه هذه الطاقة العجيبة التي كان يتحدث عنها ذلك الرجل الذي لا أعرفه في ذلك البرنامج الإذاعي الذي قابلته ذات صدفة.. إني هنا _إذن_ أنشد طاقة خفية، طاقة من عبق الأجداد.. من صلابة عصيّهم الخيزرانية ودفء لون الحناء في ظفائر الجدات وجرأة ريح القرنفل المنبعث من أجسادهم.. هي طاقة خفية.. حالما أتشبع بها أصبح إنسانة أخرى؛ حينها فقط يعتريني الحنين من جديد إلى نفسي وإلى المكان الذي يلُمّ ذكرياتي، تلك الذكريات التي صنعتها يداي أنا لا أيادي الأجداد، وأشعر أن مدينتي .. تناديني.. لها رائحة الملح.. أي نعم، رائحة الملح.. ملحُ الطعام الأبيض الصافي، لا أعرف إن كان غيري يشمّ رائحة الملح في مدينته لكني أنا أشمها حين أكون هناك وأشتهيها حين أكون بعيدة..
لقد جددتُ طاقتي بعد أن أتخمتني الذكريات البعيدة.. وأسالت سيرة الملح لعابي.. يجب أن أعود قريبا. يجب أن أعود..
بقلمي/ د٠ صوفيا السمان/ المغرب

تعليقات
إرسال تعليق