صداقة متفردة .. بقلم أ/ محمد يسين
صداقة متفردة:
أخدت لنفسك مسافة عن القوم،رسمت وجهتك نحو البحر، بزرقته الفيروزية، وهدير أمواجه الهوجاء تارة والساكنة أخرى.
وأنت تخطو خطوات، لازالت فيهما فورة الشباب، رغم بياض الشعر، وطي تسع وستين حولا "لا أبا لك يسأم"، لأن خبراء الأعمار، أوصونا أن نشد بالنجدين على كل حلقة من الحياة …
تعددت الخطوات، " واحد/جوج/واحد/جوج/واحد/جوج…" خلت نفسك في تدريب عسكري، على مشارف جبل " بويبلان " الأسد الأبيض" كما يسميه أهل موطنك، تذكرت النشيد الوطني، وترديد المتدربين هناك بالمدرسة العسكرية برباط الخير" أهومومو" سابقا، ذات صباح باكر، وهم في الطريق لواد زلول… مثنى ، مثنى، في صف بديع، وحركات متناسقة الترتيب...تلك هي مفخرة " أهرمومو" الكلمة الأصل للمنطقة.
على حين غرة، انتبهت وأنت تسير على الشط لكلب لطيف، يتابع خطواتك ويرمقك بعينين عسليتين...توقفت، نظرت اتجاهه ، تأملته مليا، رمقك هو بعينيه ثم حولهما جهة اليمين، أرجع أذنه اليمني للوراء، بينما أرسل الأذن اليسرى إلى الأمام، في نفس الوقت كان ذنبه يميل جهة اليمين واليسار، تلك كانت تحية الترحيب والقبول في منطق الحيوان.
ابتسمت، تذكرت قولة رددها على مسامعك ابنك " اذا قال لك الإنسان هدا كلب شرير، لا تتق به، وإذا أشار لك الكلب لبشر محذرا فتق به"، أشرت لرفيقك الجديد باتباعك في المسير، مع ابتسامتك كان تيار الألفة مرسوما دون حاجة للشرح والتفسير. لم يتردد كتردد الإنسان المرتاب.
تذكرت أن منطق معشر الحيوان يخالف منطق الاحتراز لدى معشر الإنسان.
وانت تسير جنبا إلى جنب، مزهوا بصحبة الحيوان الموسوم بالوفاء، كانت قهقهة الأولاد تسمع وراءك ممزوجة بهدير الأمواج...التقطت منها جملة "...واو واو ، واش جبرتي صاحبك أببا…"،خلت الكلب الجميل ينوب عنك في الجواب قائلا: مالكم واش مانستاهلش نرافق عمو؟"...قبل أن يرتد اليك قائلا، عمو،عمو هلا أخدنا "سلفي" لتوثيق اللحظة...وقف، بسط رجليه بعد أن أشار إليك بالجلوس، شعرت كما شعر الصديق بلحظة شجون.
حين دخلتم للسباحة في البحر، واستمتعتم بالأمواج، خرجتم ورذاذ البحر يرشق أجسامكم، استهواكم منظر الكلب الجميل وهو مرابط قرب ما تركتموه من أغراض ...استغربت لقيامه بدور الحارس الأمين، دون طلب مسبق منكم، أو استئذان.
كيف أدرك المهمة؟، كيف أدرك أغراضنا الخاصة؟
تلك سليقة الحيوان الجميل، يدركها " طايْرَة " لا يحتاج للتذكير…
أحالك المشهد على رجوعك، ذات طفولة، من البحر بنصف أغراضك، حامدا الله على ما تبقى منها، بعد السطو على جله من طرف معشر الإنس...
طبطبت على عنق الصديق، بنظرات تنم عن الفرحة والزهو، كان فرحا وعلامة الإعراب ضاهرة على الذيل تموج من هنا إلى هناك دون كلل.
حين العودة على طريق الرمل، كان الكلب الوفي يتسابق تارة وينبه المارة تارة أخرى بالإبتعاد عن العجوز...
حين استأمن الكلب عليكم، وأدرك وصولكم إلى الإقامة، أصدر نباحا فريدا كتحية لجميل اللقاء.تذكرت الفتية في الكهف ورابعهم كلبهم باسط دراعيه، أدركت أن تأتيت صورة الكهف بهكذا حيوان لم يخل من جميل العبر.أحالني الأمر على حديث متوارت مفاده ، أن النبي قال"مصاحبة الكلب والأجراس، لا تحضرها الملائكة"، خلت كلبي يحتج هامسا" وما موقع جدنا في سورة الكهف".
سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا (22)
تركت السؤال وغيره معلقا على مشجب الرواة…
محمد يسين/الرباط المغرب
تعليقات
إرسال تعليق