أنا اليتيم .. ق.ق بقلم الأديبة د/ صوفيا السمان


 أنا اليتيم


في الدارِ والمدرسةِ والشارع.. لا أحد يحبّني !

علاقاتي سيِّئة، وحياتي كَئيبة، أُحاول أن أتغيّر أو أصلِح ما فات، لكنّ الهمّ ثقيلٌ على صدري، والأحزانَ مُلتصقة بعظامي. أنا في أعينِ الجميع إنسانٌ فاشل، وتلميذ مُهمِلٌ ومُستهتر، الناسُ مِن حولي يُعيّرونني بما أنا عليه، ويحمّلونني مسؤولية ما يحيقُ بي باعتباري إنساناً مخيّراً، وإذن، مُلزماً بأن أتحمّل مَسؤولياتي في الحياة، وأنا كثيراً ما أتساءل بيني وبين نفسي؛ هل أنا حقا مسؤول عما آلت إليه حياتي؟ أكلُّ هذا العبث الذي أعيشه تسببتُ فيه أنا؟ بيديّ هاتين؟ أيُّ حق هذا؟ وأيُّ عدل في أن أعيش وحيداً كأنّما لا أهمية لوجودي في الحياة؟ أيُّ إنصاف في أن قارَن دائما مع نجيب، صديق الدراسة القديم الذي تجاوزني وأصبح يدرس الآن في السلك الثانوي؟ أراه يمرُّ بجانب مَدرستي كلَّ يوم، نظيفاً أنيقاً، مُبتهجا، إنّه مِثال الطالب المُهذّب المُجدِّ النشِط الذي يحبُّه الجميع.. بينما أكون أنا ذلك العبوس، الأشعث، الكسول، مُهَلهَل الهيئة الذي لا يكترِثُ لأمره أحد.


أنا لا أكرهُ نجيبا لكنّي أحسُده.. أحسُده لأنّه مَحظوظٌ بعثورِه على العطف والحبِّ والأمان مُنذ الطفولة، هناك دائِما مَن يسمعُه إذا تكلّم، ويخفِّف عنه أحزانه إذا تألَّم، لكِن، مِمَّ يُمكن أن يتألَّم أمثالُه؟ 

أتأمّل الآن صُورَه المَنشورة في صفحةِ الفيسبوك خاصّته؛ ابتسامتُه العريضةُ لا تُفارقه، ودلائِل الاستمتاع وعِشق الحياة باديةٌ على مُحيّاه؛ هذِه صورَته وهو واقفٌ على صخرةٍ وسَط البحر وذِراعاهُ مَرفوعانِ إلى السّماء كأنّه يتلقّف شمسا تقول له "هيتَ لك"، وتلكَ صورتُه وهو يسبَحُ بمرَحٍ كأنّه سَمكة، وهذهِ أجمل صورةٍ له على الإطلاق.. يبدو فيها جالساً قُبالةَ مائِدة عامِرة بأطباقِ الخِيار، والبطاطسِ المقلية، والفُليفلة، والطّماطم، وسمكاتٍ قليلَة وعَصيرٍ مُلَوَّنٍ رَخيص.. إلا أنَّ وجهَ نجيبٍ الضاحِك ومعَه شِلّة الأيادي المَمدودة نَحو الصُّحون المُتواضعة توحي بسعادَة لا مُنتهية.. أرى كلّ هذا فأشفق عليَّ كما لا يفعَل أحد؛ ففي الوقت الذي كان فيه صاحبي هذا جالساً إلى تلكَ المائِدة البَسيطة، كنتُ أنا آكُل لحماً مَشويا على مَائدةٍ رُصّت بأنواعِ السَلطات والفَواكه والعَصائر.. بيدَ أنَّ الأطباقَ والسكاكين تطايرَتْ فجأة فوقَ رأسي.. كانت تلكَ مَعركةً جديدةً بين أبي أمي.. أصِبتُ أنا فيها بجُرح غائر على جبيني.. ووجدتُ أختي ذاتَ العامين وحدَها تحضُنني صارِخةً مُرتعشةً كوُريقةٍ مُلتصقة بغُصن يابس.. حملتُها بينَ ذِراعيّ وهَرولتُ بها نحو الحمّام، اختبأتُ في الخزانة الكبيرة، كما كنتُ أفعل صغيراً، هذا المشهد بحذافيره يتكرّر معي منذُ زمن دون أن يتمكّن أحدٌ مِن تغييره، الشيءُ الوحيد الذي تغيّر هو أني كنتُ مِن قبلُ وحيدا، أما الآن فإني مسؤول عَن طفلةٍ رضيعة..  تدمَع عيناي ويرسُم فَمي ابتسامةً كاذبةَ عساها تُهدئ روعَ قلبٍ صغيرٍ مزّقَهُ الرّهب.. صممتُ أُذنَي أختي بيديّ، وشددتُ عليهِما كي لا تسمَع سيلَ الشتائم والصُراخ والضرب والتكسير الذي ملأ المكان، لكن بركان الغضب كان قويا في تدفُّقِه..

تناهى إلينا زعيق أمي وهي تنعتُ أبي بالسكير وتهدد بترك البيت، وصياح أبي وهو يقول لها مُترنِّحا: "ارحلي أيتها العاهرة"!

وبعد هذا كلِّه، سيبحثُ عنا السكير ويخرجنا من هذا المخبأ، ولن ترحل العاهرة، بل ستبقى، وسنبقى معها لنتابع حلقات هذا المسلسل الأبدي في يوم لاحق..

في الغد سأذهب إلى المدرسة دائخا مخدوش الوجه، سيبخني المسؤولون هناك وسيسخر مني أصدقائي، سيقارنوني مع الطالب اليتيم نجيب، ولن تكون المقارنة في صالحي، وهذا منطقي جدا، أليس هو اليتيم المحروم، الذي يعيش في ملجأ اليتامى؟

وأنا أكون الابن المدلّل الذي يعيش في كنف أبويه..


ما أسعد نجيب بأصحابه في ملجأ اليتامى وما أتعسني أنا بوالديّ !


بقلمي/ د٠ صوفيا السمان/ المغرب

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جرانة مالحة .. بقلم أ/ أحمد الكندودي

رحلة الموت ..ق.ق بقلم أ/ محمد الدحان

هي صرختي .. بقلم أ/ أحمد الزعيم