مات المثقف .. بقلم أ/ أحمد علي صدقي
مات المثقف أم ماتت ثقافته؟
هذا العصر، أصبحت الثقافة فيه هي الرقص الماجن، و الغناء الفاحش وشرب الخمور و تدخين الحشيش فوق الخشبة والأعين ترى.. ثقافة جديدة ألغت ما هو ثقافي فعلا لتروج لما هو مجرد تفاهات تدعم طيش شباب عاطل يغمس خارج الطبسيل. تفاهات تمنح الشباب حرية مطلقة تصيبهم بنرجيسية تعيسة تشعرهم بأهميتهم الوهمية لينسوا ما يعيشونه من خيبة أمل. تفاهات قيدت حرية المثقف الفعلي الذي أمسى يعيش حياته بين خيارين: إما أن يساق وإما أن يقاد. إن اختار أن يساق فالعصاء تجلد ظهره كلما توقف سيره حيث يريد من بيده العصاء. وإن اختار أن يقاد، فالحبل بعنقه يجره منه من بيده الحبل الى حيث يريد الوصول به اليه.. في كلتا الحالتين، فهو مسير لا مخير. المثقف الحقيقي اليوم، والذي عنده دراية بالثقافة الشعبية- وهناك دكاترة يُدَرِّسون هذه المادة - قد دخل قوقعته و ترك الأمر لأناس ينظرون فيه ويقررون له، وهم لا صلة لهم لا بالثقافة الشعبية ولا بالشعب..
من يسوقنا أو يقودنا -والأمر سواسية- هو من يختار لنا كل شيء، ما ينشر من الكتب لنقرأه، وما يقام من مهرجانات لنرفه بها عن أنفسنا..
من يقودنا أو يسوقنا هو من يختار لنا الثقافة التي يرى أنها صالحة لنا. هو من يدعم و يمول من أموال الشعب، مهرجانات تسمى ثقافية، وهي لا تمت للثقافة بصلة. محافل كبيرة ولقاءات أكبر تقام، ويرخص لها و تدعم بخدمات لجستية باهرة، وتصرف فيها الأموال الطائلة، باسم الثقافة. مهرجانات تروج لتفاهات لا تسمن ولا تغني من جوع.. لقاءات تجمع عددا من أصحاب القرار، عملهم هو إخراج تفاهاتهم للوجود. تفاهات تبث تحث دريعة الترفيه وكأنه ليس هناك بديل لهذه التفاهات يمكنها أن ترفه وتفيد..
ما الفائدة من مهرجانات موسيقية محلية فارغة من محتواها الشعبي فيها من الذناءة و الكلام النابي الفاحش ما يندى له الجبين. وما الفائدة من مهرجانات بلغات أجنبية لا يعرف من يرقص على ألحانها ما تعنيه وقد يكون ما تعنيه شتما أو سبا لمن يرقص على أنغامها وهو لا يدري. ما الفائدة من مهرجانات ممولة بالملايير، تعرض للحاضرين مغنيين ومغنيات عراة حفاة ألسنتهم فقدت الحشمة و تخطت حدود الممكن من الخطابات.. ما فائدة رؤية مغني عار والفقر عندنا قد عرى سوءات رجال ما استطاعوا اقتناء ما به يسترون عورتهم.. ما الفائدة من مهرجانات لاختيار ملكة جمال ببلد قد تأصل فيه قبح التصرفات و تفشى فيه قبح المعاملات. ما الفائدة من مهرجانات لصنع أكبر طبق كسكوس في العالم أو أكبر بيتزا، والناس تموت جوعا قريبا من المكان الذي يقام فيه الحفل. ما الفائدة من أموال طائلة تنفق لاختيار موضوع لمسلسل تلفزيوني يتحدث عن الحب و البغض فينا قد تفشى وعدد حالات الطلاق عندنا في ارتفاع مهول. أين هي الثقافة هنا؟ أين هو المثقف بين هؤلاء؟ مات المتقف وماتت ثقافته.
مهرجانات هدفها فقط الترويج لإفشاء الفساد بين الشباب والشابات. مهرجانات تسكر شبابا عاطلا ليحتمل دنيا لم تعد عنده محتملة..
عجيب أمرنا، كل ما هو غير ثقافي ومنمق و مزوق نتسارع لعناقه. نطالب به ونرحب به، وكل ما هو ثقافي مفيد يرفض ويندد به ويقصى.. تبنى ملاعب لآلاف المتفرجين وتنفق لها الملايير ولا حرج، و بناء مدرج للدراسة لعشرات الطلاب، يتطلب أقل من هذا بكثير ينظر اليه كمحنة مالية وحاجز يتعذر اجتيازه..
الثقافة الأصيلة ممقوتة وينظر لها بعين خبيثة. كل ما هو ثقافي يفيد نجده مرفوضا، ويمنع ولا يذاع. شيء غريب و لامن يستغر له...
أحمد علي صدقي/المغرب
تعليقات
إرسال تعليق