رؤية في قصيدة" سومري أنا" للشاعر علي الوائلي.. بقلم أ/ علي البدر

 وَهَلْ يَنتظِرُ السّومَريُّ جَلّادَهُ؟

علي البدر و رأيٌ في قصيدة الشاعر علي الوائلي "سومَريُّ أنا"

سومَريٌّ انا

ها أنا اقِفُ وَحدي

منذُ الأَزَل

منذ ُبدءِ الخَليقَةِ

وأنا أحمِلُ قِرطاسي

أنتظرُ الجَّلادَ

بِلا خَجَل

أنتظرُ مَن يَسوقُني

حيثُ مقاصِل الخَّيبة

والطيرُ على رأسي

يأكلُ ما تبقّى

من ضحالةِ أفكاري

وأوهامي المتراكِمَة

لمْ يَعُدْ هناكَ مَجدٌ

بَعدَ أن غادرَ أنكيدو

ومعه نبتتهُ الذّابِلة

مَعاولُ الثمالةِ

تَهدُمُ ألواحَ الذّاكرة

مازلتُ اتسمَّرُ مَكاني

لا أقوى على الحِراك

لعلّ طيني السومري

يُكَتِّفُ قَدميّ العاجِزَتين

وحولي تلتفُّ صورُ العابرين

تاركةً الوانَها الشاحِبة

على أشلاءِ ذاكرتي

لكني لن أنثني بعدُ

قوامُ ظهري المتَخَشبِ

يقطعُ رأسَ السِّكين

قبلَ أن يَنحَني

فصوتُ ناياتِ سومَر

يبعثُ الحياةَ

رغمَ جراحاتِ الهور

وبُكاءِ القصبِ

علي الوائلي

قصيدة بدت تحمل هموم إنسان، ويبدو أن الشاعر علي الوائلي هو الإنسان المقصود فهو: سومري يقف وحيدا منذ الأزل ينتظر جلادة وبإرادته وبلا خجل ليسوقه الى من يقوده إلى مقاصل الخيبة ويبدو أنه يستحق. وأراه يكيل لنفسه صفاتا تصل لدرجة الإهانة. أفكار ضحلة وأوهام متراكمة في أجواء الذل والخنوع. وماذا بعد. وهل بقي من القاموس صفة غير لائقة لم يلصقها لنفسه؟

أجل.. لدينا المزيد ويبدو أن أنكيدو وبقدرة قادر أصبح رمزا للمجد الذي ضاع بموته. ونرى أن الشاعر بقي متسمرا في مكانه ولا يقوى على الحراك لأن الطين السومري قد كتف قدميه العاجزتين. الطين الذي بنيت بواسطته أرقى الحضارات قد تحول إلى أداة إعاقة وتخلف وجمود. وما دام الشاعر ينتظر جلاده وعن قناعة تامة فلابد ان يكون راضيا ومطمئنا للطين الذي يكتف قدميه. وما الفائدة عندما تكون قدماه طليقتين عندما يكون منتظرا وبلا خجل من يسوقه إلى مفاصل الخيبة والطير يأكل ما تبقى من ضحالة أفكاره ؟ ويبدو أن محاولات رد الإعتبار في نهاية القصيدة يوقعها في تناقض وعدم انسجام.

وعندما أقول: أنا العراقي لا أرضى بالذل والظلم فهنا تم استعمال ضمير الأنا كرمز دلالي للعراقيين ضمن عملية إسقاط صفات محببة غير مهينه ولكنني عندما أقول أنا السومري انتظر ذليلا الجلاد والطير يأكل من ضحالة أفكاري والطين السومري يعيقني عن الحركة..ما المقصود من هذه العملية الإسقاطية المشينة بحق تأريخ ساطع لشعب قاتل من أجل أرض مقدسة وسن قوانين سبقت حمورابي ب 300 سنة وأكثر؟

مما تقدم نرى أن الشاعر علي الوائلي ولما عُرِفَ عنه بأنه يتعاطف مع الطبقة المحرومة التي بدت وكأنها مغيبة ولا يُحسَب لها أية قيمة إعتبارية من قبل المسؤولين، قد تقمص وبصدق وطيبة ما تعكسه تلك الشريحة من هموم، والكثير إن لم يكن معظهم يشعر بأنها فاقدة للأرض الآمنة التي تحميهم والتي أحبوها ودافع أباؤهم عنها، لكنهم للاسف يشعرون بالضياع والغربة alienation وهذا مفهوم إقتصادي لم يفهمه الساسة، وعليه فأن المواطن الفقير المحتار بقوت يومه والمسؤول عن أفواه لابد ان يطعمها ويؤمن لها العيش الكريم في بلد نحفر الأرض فيه من أجل الماء فيتدفق النفط. هذا المواطن قد يشعر بالضياع والغربة وقد سبقنا الإمام علي ابن ابي طالب عندما قال الفقر في الوطن غربة والغنى في الغربة وطن وبهذا فقد سبق هذا الإمام، الفيلسوف كارل ماركس بأكثر من ألف سنة. وعليه فإن غياب الفلسفة الواضحة للدولة مع تسقيط وغياب القدوة ضمن عملية مبرمجة امبريالية صهيونية أثرت حتى في بعض المثقفين بأن يسقطوا المواصفات السيئة ومن حيث لايعلمون على الشعب المظلوم وبالتالي على الأمة كاملة.

وفي حالة ضعف الحكومة يتم التمرد على القوانين وتقوى الأواصر العشائرية وتصل لحد الإقتتال. وفي خضم هذه الصراعات يعيش المواطن المسحوق بلا أمل ليصل بالنهاية الى ذم نفسه من حيث لايدري ولصق صفات لاتليق بالمحيط الذي هو جزء منه وأحيانا يبرىء نفسه ولكن شاعرنا قد ذاب وسط الشرائح المسحوقة وبدا يجلد نفسه حيث الوقوع ضمن المخطط المرسوم بإضعاف الثقة بالنفس وتعميق عقدة الشعور بالنقص inferiority complex ، بأن الأمة غير مبدعة لاتعرف غير الغش وتكون ماهرة في الرقص وتقليد الاخرين وغيرها وهذا يذكرني في مقولة الصهيوني مناحيم بيكن والتي تم تطبيقها بنجاح وقد أتت أكلها كما يبدو " عندما أقرأ عن تأريخ المسلمين أشعر بالخوف وتنتابني الرهبة، وعليه ينبغي أن نستمر في زرع الخلافات بينهم وتفريقهم والعمل على تحرير مجتمعاتهم من هويتهم الإسلامية لكي لا تعود اليهم تلك القوة من جديد..مناحيم بيكن".

وفي الماضي القريب تداول الإعلام جملة "الشعب العراقي العظيم" وبإسمه زجه الحكام في حرب مجنونة استمرت ثمان سنين ثم انتقلنا الى الكويت ومسحناها وحرقنا ابارها بحرب نتيجة مشادة كلامية وجدال تافه وقبل أيام انتهت التعويضات. ياترى هل نلوم الشعب الذي يساق عنوة الى الحرب ام الحكام الذين أجبروه وقيدوه بأحكام الإعدام؟

الشعب هو الضحية ولكن الخسارة المشينه عندما نكيل اللوم والشتائم على الأمة وتسقيط علمائها ومفكريها ثم التهكم على شرائح الشعب والتركيز على بعضها حسب الظروف والخطط المرسومة.

الشاعر والصديق الذي يحمل هموم الشباب ويتعايش مع المحرومين الأخ علي الوائلي تحياتي اليك ودام وجودك معنا

علي البدر



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جرانة مالحة .. بقلم أ/ أحمد الكندودي

رحلة الموت ..ق.ق بقلم أ/ محمد الدحان

هي صرختي .. بقلم أ/ أحمد الزعيم