الدكتورة صوفيا ومفهوم المثقف .. بقلم أ/ علي البدر
الدكتورة صوفيا السمان و"مفهومُ المُثقَّف" مع علي البدر و"رأيٌ متواضعٌ"
الإنسان المثقف، أو السائر في طريق الثقافة، أو الباحث عن الثقافة، يلجأ إلى المكتبة أو أي وسيلة أخرى تسهّل عليه اقتناء كتاب. وحتى إن استعاره أو حصل عليه بدون مقابل، فإنه يخصص له أجواء القراءة، ويبذل تكاليفها التي هي في الواقع غير هينة (وحدهم القراء يعرفونها) وبالتالي فإن هذا الإنسان حين يقرأ فإنه يقرأ بهدف توسيع مداركه ومعارفه، أي أن له من القراءة غاية. هو بالتالي يبحث عن كل مستجد ومستحدث وخارج عن المألوف.
الأفكار أو المعطيات أو المشاعر التي لم يعتد عليها في حياته اليومية هي عزّ مبتغاه من فعل القراءة، لذلك هو يتقبل الجديد حتى لو كان صادما. بينما القارئ الفيسبوكي هو قارئ لا يبذل أي جهد من أجل الحصول على المعلومة، هو جالس (أو واقف أو ماشٍ.. لا يهم) يتفحص هاتفه، أو أيا يكن، من أجل التسلية والاستمتاع وتمضية بعض الوقت.. وإذا صادف شيئا مفيدا في الطريق فأهلا وسهلا به، وإن لم يصادف شيئا فليس لهذا الأمر أية أهمية.
مشكلة هذا النوع الأخير هو أنه يتعامل مع كل مستجد (فكرة، معطى، شعور..إلخ) بشكل عدائي. هو لم يدخل الفيسبوك ليجد ما يصدمه، ويخالف ما يؤمن ويقتنع به، هو لم يلج هذا الموقع ليتعلم شيئا، بل فقط ليستمتع.. هو لا يخوض غمار البحر ليصطاد "موبيديك"، بل لينعم بسباحة هادئة تحت الأشعة الناعمة. وظهور "موبيديك" بما يرافقه من عواصف رعدية هو ما لم يحسب حسابه، لذلك تجده يضرب بذراعيه في كلّ الاتجاهات دون أن يدري كيف أو لماذا.
كلمتي هنا للكاتب، وليس للقارئ: لا تكتب على صفحات الأزرق ما تعتقد أن له قيمة، وما تعتقد أنه يقدم جديدا.. لأن نسبة المصطافين الذين ستصادفهم هنا سيفوق بكثير نسبة الصيادين والبحارين المتمرّسين.
لا تهدر أفكارك على الشاطئ حيث يلهو الصغار، لا تهتمّ لأخطائِك اللغوية؛ فأنتَ ستتعلّم من خلالِها أسلوب اللغة السليمة. ولا تأسف لأن كلماتك أوجعت بعض القلوب؛ فأنت إنسان والإنسان مَجبول على الخطأ، وإرضاء الناس غاية لا تُدرك.. المهم أن لا يكون إيذاء الآخرين أحد مقاصدك. ولا تهتمّ إن ورَدت في نصِّك معلوماتٌ خاطِئة؛ فأنت لست عليما بكل شيء وقد تكون تِلك فُرصتُك لِتصحيح ما تجهله.. لكِن لا تسرِق نصاً ليسَ لَك، وكلِمات لا تمتُّ لروحِك.. إيّاك أن تفعَل، لأنَّك ستتعلّم حينها أن تُصبحَ لصا، ستستسيغ ذلك في البداية.. ثُم ستحتَقر نفسَك.
بقلمي/ د٠ صوفيا السمان / المغرب
قد يكون الفيلسوف الرائع سلامة موسى أول من استعمل كلمة المثقف في مجتمعنا العربي والتي تدل على امتلاك الفرد مجالا واسعا من المعرفة، ولابد ان تكون في عدة مجالات وقد بين هذا في مناقشته لمفهومي الثقافة والحضارة. ويعتقد سارتر بان المثقف يدس انفه في مجالات عديدة. كل ما نقوله ممكن ان يكون واردا ولكن التساؤل هنا: ما جدوى المثقف الذي يعتبر نفسه أعلى مستوى من الاخرين وان يترفع في تصرفاته عن البسطاء؟ ان ثقافته هي لاشباع غرورة والاشباع بالتأكيد يدل على نقص لاشعوري يدفعه للاستزادة المعرفية لأجل سد فراغ نفسي ذاتي. هكذا شخص لم يفهم نفسه وعليه فان الاخرين لن يفهموه لان روابط التأثير المتبادل مفقودة وهذا يذكرني بنصيحة الأديب الروسي انطوان تشيخوف لاخيه الرسام الذي تذمر لان الناس لم تفهمه حيث نصحه بان يفهم نفسه أولا..
وان اعتبرنا التراكم المعرفي هو الفاصل في المثقف، فلابد أن يكون عارفا ومتضلعا في كيفية التأثير بالاخرين ايجابيا وان لايحط من قدرهم ليصبح مكروها من قبل الدائرة الاجتماعية حيث تحيطه حلقةُ مَن يجاملونه لأغراض معينة. فهل ينبغي للناقد الادبي ان يسفه ما يكتبه الاخرون ويحول نقده إلى انتقاد. ان المعايير الاجتماعية المرتبطة بالذوق والذكاء في معرفة طرق التأثير بالاخرين ضرورية للناقد الذي لابد ان تكون مسحة الود والتواضع غير المتصنع من اهم صفاته.
وعندما أقرأ لابد أن امتلك القدرة على التمييز وان اكون شبه حيادي لما يطرحه الاخرون لا أن أتأثر بشكل متطرف لأجد نفسي مدافعا عن أفكار شوفينية مدمرة. ومن يقرأ كتاب كفاحي لأدولف هتلر ولم يمتلك قدرة التمييز تكون نتيجته التأثر به وقد يتبنى أفكاره. وهكذا بالنسبة للبقية. وبعض ما نسميهم المثقفين يعتمد على نوع واحد من المعرفة خشية تأثره على ما تراكم في ذهنه الذي قد يحرفه او يقلل من حماسه لما يؤمن به. وفي شبابنا كنا نحضر محاضرات لأحد أأمة المساجد،. وكنا مجموعة من المدمنين على القراءة بشكل غير طبيعي. وقد سأله أحدنا عن نظرية دارون وعلاقة الانسان بالقرد فرد عليه ووبخه بأن هذا حرام، لكنه تفاجأ عندما جلبت له كتاب أصل الأنواع لجارلس دارون وبعض النظريات التي تعارضه وان يطلع عليها ليعرف كيف يرد على الشباب الذي إثرت بهم هذه النظرية التي يتهمها الآخرون بأنها تدعي إن أصل الإنسان قرد. لقد رفض اول مرة لمس الكتاب واعتبره نجسا لكنني اقنعته بضرورة الحديث مع الاخرين بعقلانية وانها مجرد نظرية تحتمل النقد كباقي النظريات. وفعلا استطاع تعديل اراء بعض الشباب وايضا التخلص من الإحراج الذي يقع فيه أحيانا.
وقد حضرت مرة مناقشة نيل رسالة الماجستير في طرق التدريس في اللغة الانكليزية لاحد اصدقائي الذي الح بأن أطلع عليها قبل موعد المناقشة حيث وجدت أن لارأي له في الموضوع الذي سيناقشه بل : قال فلان وقال فلان... فقلت له وانت يا استاذ أين موقعك؟ لابد ان يكون لك رأي بغض النظر عن سعة وشهرة ما تنقل عنهم. وفعلا وجدته محرجا ولم يمتلك الجواب بل فضل السكوت عندما نبهته الدكتورة في جلسة المناقشة، مازلت أتذكرها رغم مرور عقود عليها :
Where are you Mr.? I can’t find your opinion. أين أنت يا أستاذ؟ لم أر رايك هنا!
وبرأيي المتواضع إن مصطلح المثقف intellectual يعبر عما يحصل عليه الفرد من خبرات معرفية نتيجة الدراسة والبحث والتقصي غير بعيد عن هموم مجتمعه، ولكن هل يوجد سقف زمني لما يكتسبه الفرد من معلومات ليمتلك وبجدارة لقب المثقف؟ بالتأكيد تبقى الحياة متطورة وعليه سنعجز عن الوصول لهذا السقف وعليه لابد أن نركز على صفة المتعلم learner لأننا طلاب في هذه الحياة وهذا ما تركز عليه الدراسات السايكولوجية وأنا أثق بها. نحن متعلمون إذن لأن الذي يطلب العلم من المهد إلا اللحد والذي يذهب لأبعد المسافات لطلب المعرفة ما هو إلا طالب يبقى في صفوفه الأولى في هذه الحياة. المتعلم شجرة مثمرة تنحني لنا لتكون قطوفها دانية لمن يشتهي ثمرها، وهذا لعمري منطق الحياة المتجدد

تعليقات
إرسال تعليق