قاضيان في النار ..مقال بقلم أ/ شعيب سعيد القارح

 قاضيان فى النار، وقاض فى الجنة !! :

* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) - سورة النساء ..

.قال أبو جعفر: اختَلف أهل التأويل فيمن عُني بهذه الآية: فقال بعضهم: عُني بها ولاة أمور المسلمين. وقال آخرون: الذي خوطب بذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم في مفتاح الكعبة، أمر برَدّها على عثمان بن طلحة.

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي، قولُ من قال: هو خطاب من الله إلى ولاةَ أمور المسلمين بأداء الأمانة إلى من وَلُوا أمره في فيئهم وحقوقهم، وما ائتمنوا عليه من أمورهم، بالعدل بينهم في القضية، والقَسْم بينهم بالسوية. يدل على ذلك ما وَعظ به الرعية في: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ، فأمرهم بطاعتهم، وأوصى الرّاعي بالرعية، وأوصى الرعية بالطاعة ..

* وأما الذي قال ابن جريج من أنّ هذه الآية نزلت في عثمان بن طلحة، فإنه جائز أن تكون نزلت فيه، وأريد به كل مؤتمن على أمانة، فدخلَ فيه ولاة أمور المسلمين، وكلّ مؤتمن على أمانة في دين أو دنيا. ولذلك قال من قال: عُني به قضاءُ الدين، وردّ حقوق الناس ...

﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ...

* عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ومَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، - قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ - وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ))

[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن عمر] ...

...

[1] (القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة..)

عَنْ بُرَيْدَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: اثْنَانِ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ. رَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ، فَقَضَى بِهِ، فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ. وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ، فَلَمْ يَقْضِ بِهِ، وَجَارَ فِي الْحُكْمِ، فَهُوَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ لَمْ يَعْرِفِ الْحَقَّ، فَقَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ، فَهُوَ فِي النَّارِ. رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

[2] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ. رَوَاهُ أحمد والأربعة وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ.

[3] وَعَنْهُ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ، وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ، وَبِئْسَتِ الْفَاطِمَةُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

* فهذه بعض الأحاديث المتعلقة بالقضاء والإمارة، وأن المقام مقام خطير، وأن الواجب على من تولى شيئًا من ذلك أن يتقي الله، وأن يراقب الله، وأن يحرص على إصابة الحق ...

* ونُطَوِّف ولو قليلا على الأحايث الثلاثة المتقدمة الذكر، وعلى النحو الآتى بعد :

{1} ففيما يتعلق بالحديث الأول وهو ما يهمنا فى هذه الآونة: يقول ﷺ: القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة، فهذا يفيد الخطر، وأن الأمر يحتاج إلى عناية وصبر حتى يُعرف الحق ويُقضي به، فمن عَرف الحق وقضى به فهو في الجنة؛ لأنه نافع للناس موصل الحق إلى أهله، فهذا له الجنة وله الفضل العظيم، فيقضي للناس على علم، أما من قضى للناس على جورٍ ويعلم أنه جورٌ، أو على جهالةٍ، فهذا مُتوعد بالنار، نسأل الله العافية، ويفيد هذا وجوب الحذر من القضاء بغير علم، أو القضاء بغير الحق، من أجل هوى أو قرابة أو عداوة أو رشوة، ففي هذا الخطر العظيم.

* وفي الحديث تحذير شديد من القضاء بالهوى، وهو ما يريده الإنسان لشهوة أو لغرض في نفسه، دون أن يكون مطابقا للعدل والحق، وهذا من الأمور التي أصبحت تثير الفتنة. فمن يقضى بالهوى من القضاة فهو فى النار..

* والقاضي الثاني الذي وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه في النار هو الذي قضى بغير علم وليس بالهوى كالأول، وهذا القاضي قد لا يكون عنده ميل لطرف معين أو رغبة في إدانته، ولكنه يتكاسل ويُهمل في العلم بحقيقة الأمر، ولا يبذل المجهود اللازم لكي يصل لذلك، فيسارع بإصدار حكم عن غير علم، فيقع في المحظور خصوصا عندما تكون القضية تتعلق بالحياة والموت، إذ لابد من التشدد في طلب العلم بتفاصيل الواقعة، وإن فشل في ذلك، فالحدود تُدرأ بالشبهات، وليس عليه أن يصدر حُكما والأمر مُلتبس أمامه، أو الأدلة ناقصة، أو آتية من جهة غير محايدة، أو جهة لها مصلحة في إدانة أحد أطراف القضية، كما أن علي القاضى أن يستمع لدفاع المتهمين عن أنفسهم، ويترك لهم المجال كاملا حتى يزول الجهل عنه، فقد يتبين له أمرًا ما ... لم يفطن إليه من قبل...

* وأما القاضي الأخير الذي وصفه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بأنه في الجنة، هو من قضى بالحق بعد أن علمه من أدلته، وتخلى عن اتباع هواه، وأنصف المتهم، ومنحه حقوقه كاملة دون تفريط أو إفراط، أو خوف من صاحب سلطة أو جاه أو نفوذ أو مال، وهذا القاضي - حتى وإن أخطأ في الحكم - فهو استفرغ وُسعه، وابتعد عن هواه، ولم يُقصر في معرفة الحكم، ولا في أدلته، فإن خُفي عليه شيء رغم إرادته فلا تثريب عليه ...

{2} وفيما يتعلق بالحديث الثاني، يقول ﷺ: من ولي القضاء فقد ذُبح بغير سكين؛ لأن مقامه خطير مُتعب، ومن ذُبح بغير سكين يَتعب متى تُزهق روحه، فالمعنى أنه ولي أمرًا عظيمًا خطيرًا مُتعبًا، فليتق الله فيه، وليصبر، وليتحر الحق، حتى تكون له السعادة.

{3} وأما الحديث الثالث: فيدل على خطورة الإمارة، والقضاء نوع من الإمارة، والإمارة فيها خطر أيضاً؛ لأن صاحبها ينفذ الأوامر وينفذ أحكام القضاة، ويتصرف بما يصلح للبلد، فهو على خطر، ولهذا قال ﷺ: إنكم ستحرصون على الإمارة، وإنها خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها، فالواجب على من تولى الإمارة على قبيلة أو في بلدة أو قرية أو فى أى مكان وأى زمان أن يتحرى الحق ...

* وأخيرا .. فإن إقامة العدل هي الباب الحقيقي للاستقرار المجتمعي، وبدونه تضطرب الأمور، وتزول البركة، وتفسد حياة الناس مهما كانت قوة بلدانهم، فما بالك إذا كانت هذه البلدان تعاني ما تعانيه من تدهور ؟؟!!...

نسأل الله السلامة والمعافاة فى الدين والدنيا والآخرة ...


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

جرانة مالحة .. بقلم أ/ أحمد الكندودي

رحلة الموت ..ق.ق بقلم أ/ محمد الدحان

هي صرختي .. بقلم أ/ أحمد الزعيم